في زيارتي الثانية لمدينة فاس، كان من أجمل ما حظينا به لقاءٌ سريع مع د.البشير بنجلون؛ لقاء سريع في زمنه، عميق في أثره. عرفت عن بنجلون كثيراً من أستاذنا د.مراد الريفي، صاحب الفضل في اللقاء.
وحين جلسنا، تبادلنا أطراف الحديث حول تاريخ الطب العربي، وحول كتب آداب التعلم، ومكانة الأخلاق في تكوين الطبيب، وأقسام الأطباء عند علماء العرب، والفرق الدقيق بين الطبيب والحكيم، وأقدم المستشفيات في فاس، وتحديدًا “مارستان سيدي فرج” الذي يُعد أقدم وأشهر مصحة للأمراض العقلية في المدينة. بُني في عهد الدولة المرينية عام ٦٨٥هـ، وكان من أوائل المستشفيات في العالم التي استخدمت العلاج بالموسيقى الأندلسية للمرضى، وتوقف عن تقديم الخدمات الطبية في منتصف القرن العشرين ليتحول لمعلمة تاريخية، وللأسف لم نتمكن من زيارته.
ولد الحكيم البشير بنجلون في نهاية عام ١٩٧٥م بمدينة الدار البيضاء، ونشأ في مسار علمي وطبي قاده إلى أن يكون أستاذاً للتعليم العالي بكلية الطب والصيدلة وطب الأسنان بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، وطبيباً جرّاحاً بالمستشفى الجامعي. وهو مدير لجنة التراث بكلية الطب، ومدير المؤتمر الدولي لفاس حول تاريخ الطب. ويعمل حاليًا في مجال الجراحة الباطنية والهضمية، وله مقالات علمية منشورة.
غير أن هذه المناصب على أهميتها، لا تكفي وحدها للتعريف به، فالدكتور بنجلون ينتمي إلى صنفٍ خاصٍ من الأطباء الذين يبحثون عن ذواتهم الحضارية في تراثهم، فهو لا يرى تعارضاً بين المشرط والمخطوط، ولا بين غرفة العمليات والبيمارستان، ولا بين البحث السريري وقراءة نصوص ابن سينا وابن طفيل وغيرهما من أعلام الطب في الحضارة العربية الإسلامية. ومن عجبٍ فيه أنه يسمع طلابه أبيات من أرجوزة ابن طفيل في الطب، والتي دخلت ضمن ذاكرة العالم باليونسكو.

في شخصيته العلمية يبرز سؤال مركزي: كيف يمكن للطبيب العربي المعاصر أن يكتشف تراثه التراث ويقارنه بغيره، ويفهم سياقه، ويكتشف ما فيه من ملاحظات وتجارب ومناهج وأخلاقيات؟ ومن أبرز المحطات التي يقوم عليها مشروعه “المؤتمر الدولي لفاس حول تاريخ الطب”. هذا المؤتمر أصبح علامة علمية وثقافية مهمة، لأنه جمع بين الأطباء، والمؤرخين، والباحثين في المخطوطات، والمهتمين بالتراث، والطلبة، وفتح لهم فضاءً للحوار حول قضايا عميقة: تاريخ التعليم الطبي، والبيمارستانات، والأوقاف والرعاية الصحية، وأخلاقيات الطب العربي.
والحقيقة أن مشروع د.بنجلون يكتسب قيمته من هذه المنطقة الوسطى التي يتحرك فيها، فهو ليس ماضوياً يريد أن يسجن الطب في التاريخ، وليس حداثياً منقطعاً يرى التراث عبئاً، فهو يشتغل في المسافة الجميلة بين الاثنين: طب حديث منفتحٌ على ذاكرته، وتراث طبي مقروء بأدوات العلم الحديث. لهذا كله، يمكن النظر إلى الطبيب بنجلون بوصفه واحداً من الأطباء الذين يعملون على إعادة الاعتبار لتاريخ الطب العربي الإسلامي عبر البحوث العلمية في المؤتمرات، والندوات، والإصدارات.
حاصرنا الوقت، وقاربت الشمس على الغروب، وتمنينا لو تُحبس لنا الشمس كما حُبست ليوشع بن نون -كما يروى- لنمكث في رياض العلم والحكمة، لكن أمامنا سفر طويل، وعودة لرباط المرابطين.
خرجت مع أخي أ. البراء العوهلي (وكيل وزارة الثقافة للاستراتيجيات) والدهشة تعلو محيانا، والفخر يملأنا بوجود أمثال د.البشير بنجلون في العالم العربي، ولنا عودة إليه -بإذن الله تعالى- في مؤتمرهم الطبي القادم نهاية أكتوبر المقبل.

