المؤتمر الدولي الثاني عشر لفاس حول تاريخ الطب : التراث الطبي في رحاب الترجمة والتحصيل المعرفي
22–25 أكتوبر 2024 | تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده احتضنت كلية الطب والصيدلة وطب الأسنان التابعة لجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس المؤتمر الدولي الثاني عشر لفاس حول تاريخ الطب موضوع: « التراث الطبي في رحاب الترجمة والتحصيل المعرفي: تاريخ وحضارة « في الفترة الممتدة من22 إلى 25 أكتوبر 2024.
هذا المؤتمر يأتي ضمن سلسلة من المؤتمرات المميزة التي أشرفت عليها لجنة التراث بكلية الطب والصيدلة وطب الأسنان بفاس والتي نالت في خمسة نسخ منها شرف الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده.
يمثل التراث الطبي جزءاً أساسياً من تطور العلوم الطبية والصحية عبر التاريخ، وقد لعبت الترجمة دوراً حاسماً في نقل هذا التراث والمعرفة الطبية من ثقافات ولغات مختلفة. وفي هذا السياق، وجب التأكيد على أهمية الترجمة في نقل هذا التراث الطبي وكيف ساهمت في نقل المعرفة الطبية من الحضارات القديمة مثل اليونان والهند والصين والإسلامية العربية إلى العالم الغربي وبالعكس.
لقد كان للترجمة على مستوى العالم العربي والإسلامي دور بارز ابتداء من القرن الثاني الهجري السابع الميلادي، حيث استطاعت اللغة العربية أن تستوعب المعارف والعلوم المكتوبة باليونانية واللاتينية والفارسية والهندية والسريانية، إضافة إلى تملك المورث الثقافي الضخم لهذه الحضارات. فكان للتراث الطبي نصيبا بالغ الأهمية ضمن هذا المجال، بعد أن أصبحت اللغة العربية اللغة التي تُكتب بها مختلف العلوم وتُلقن، ويُترجم إليها كل صنف معرفي من بلاد سمرقند وغرناطة وبغداد ودمشق والقاهرة وفاس وغيرها. كما أصحبت كتب الطب اللاتينية تتوقف على الترجمات من العربية إلى اللاتينية، بل تعددت ديانات الأطباء الذين كتبوا باللغة العربية ونهلوا علوم الطب والصيدلة والنبات من أمهات المصادر التراثية الطبية العربية.
فإذا كانت الترجمة قديمة قدم المجتمعات البشرية، من منطلقها الشفوي إلى موضعها الكتابي، فإنها ظلت موضعا للبحث والدراسة على امتداد العصور بناء على المفهوم الكلاسيكي المحدد لهويتها، وخاصة في مجال ترجمة التراث الطبي، أي العمل على تحديد اتجاهات الترجمة الطبية التي ظلت في نقاش مستمر ما بين التضمين والاختصار وانتحال الحرفية اللصيقة، وما بين الترجمة المعنوية والترجمة الفلسفية. بمعنى اعتماد الطريقة اللفظية، أو الطريقة المعنوية، أو الترجمة بالتصرف، حيث ظلت الترجمة الطبية تخضع لحركية وتدرج مواكبة لتدرج المعارف الطبية.
وقد زاد من تعقيد مجال الترجمة الطبية الثورة الحاسوبية التي رافقتها مفاهيم وأنواع ووسائل جديدة فيما يتعلق بالعلوم الطبية ومصطلحاتها وخصائصها المعرفية، والتي لازمها أيضا شروط دقيقة على مستوى فعل الترجمة ما بين الموهبة والمهارة المكتسبة والكفاءة اللغوية، والكفاءة المنهجية، والكفاءة الثقافية، بل أيضا موجبات الكفاءة في اللغة الأصلية والكفاءة في اللغة الأجنبية. وهو ما تبلور تاريخيا عبر إنشاء عدد من المدارس المختصة بتعلم الألسن، ومنها أول مدرسة اهتمت بإعداد المترجمين في القرن التاسع عشر في مصر وهي مدرسة الألسن التي أسسها محمد علي 1845، بناء على اقتراح رفاعة الطهطاوي، على غرار مدرسة اللغات الشرقية بباريس، ومدرسة تعلم الألسن التي أنشأت في عهد السلطان الحسن الأول بطنجة في سنة 1874م، ومدرسة الصادقية في تونس في العام 1876 في عهد المصلح التونسي خير الدين وغيرها من المدارس الخاصة بالترجمة.
أربعة أيام من المؤتمر بين جدران كلية الطب والصيدلة والطب الاسنان بفاس وأروقة المدينة العتيقة، تمكن فيها الحضور من المزج بين الأصالة والمعاصرة، لتكون النسخة 12 من مؤتمر فاس كسابقاتها أنموذجا يجمع بين العلم والمعرفة والفن والتراث.
