المؤتمر الدولي الثالث عشر لفاس حول تاريخ الطب:التغذية والصحة: علم وتراث
29-31 أكتوبر 2025 | تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، احتضنت كلية الطب والصيدلة وطب الأسنان التابعة لجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس المؤتمر الدولي الثالث عشر لفاس حول تاريخ الطب في موضوع: «التغذية والصحة علم وتراث» في الفترة الممتدة من 29 إلى 31 أكتوبر 2025.
هذا المؤتمر يأتي ضمن سلسلة من المؤتمرات المميزة التي أشرفت عليها لجنة التراث بكلية الطب والصيدلة وطب الأسنان بفاس والتي نالت في ست نسخ منها شرف الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده.
لقد دأبت جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، عبر مؤتمراتها ومبادراتها العلمية، على أن تكون منبراً للفكر الحر، وللبحث الأكاديمي الجاد الذي يُسهم في تطوير المجتمع وخدمة الإنسانية. وها نحن اليوم، من خلال هذا اللقاء، نكرّس هذا التوجه العلمي والثقافي والأكاديمي الذي يربط بين الطب كعلم متجدد، وبين تراث غني لا يزال يحمل دروساً ومعارف ذات قيمة كبيرة.
إن اختيار موضوع المؤتمر هذه السنة: «التغذية والصحة علم وتراث» يعكس وعياً متزايداً بقضايا الصحة العمومية من جهة، وبالتراث العلمي والإنساني الذي راكمته مختلف الحضارات في هذا المجال من جهة أخرى. وهو ما يجعل من هذا المؤتمر فضاءً علمياً متميزاً للحوار بين الماضي والحاضر، ولتبادل المعارف والخبرات المحلية والدولية حول الدور الذي لعبته التغذية، عبر العصور، في الوقاية من الأمراض وتعزيز الصحة. وإيمانا منها بضرورة الانفتاح على مختلف الثقافات والحضارات العريقة عملت لجنة التراث بكلية الطب والصيدلة وطب الاسنان بفاس على دعوة مجموعة من الخبراء والباحثين في الميدان لإغناء البرنامج العلمي لهذا المؤتمر العتيد، كما تم توجيه الدعوة لإسبانيا لتكون ضيفة شرف للمؤتمر نظرا للعلاقات التاريخية التي تجمع بلدينا وللرصيد ثقافي وحضاري مشترك.
لطالما كانت التغذية في صلب اهتمام الإنسان، سواء كوسيلة للبقاء أو كجزء من الثقافة والهوية، وقد شكلت على مر العصور عنصراً أساسياً في تحقيق الصحة والوقاية من الأمراض. ومع تطور المعرفة الطبية والعلمية، بدأت تتبلور علاقة وثيقة بين ما نأكله وبين حالتنا الصحية الجسدية والنفسية. وهكذا، فإن موضوع «التغذية والصحة» لا يمكن فصله عن بعديه الأساسيين: العلمي الحديث من جهة، والتراثي الثقافي من جهة أخرى.
تشير الدراسات الحديثة في علوم التغذية والطب إلى أن النظام الغذائي المتوازن يلعب دوراً محورياً في الوقاية من أمراض مزمنة مثل السكري، وأمراض القلب، والسرطان، والسمنة. فالغذاء اليوم لم يعد مجرد وسيلة لتسكين الجوع، بل أصبح عنصراً فاعلاً في تعزيز المناعة، وتنظيم الهضم، وضبط التوازنات الهرمونية، بل وحتى تحسين المزاج والوظائف الذهنية. وقد أدى تطور علم التغذية إلى اعتماد مبادئ دقيقة لتقييم القيمة الغذائية للأطعمة، والربط بين العناصر الغذائية مثل الفيتامينات، البروتينات، الدهون والألياف، وبين وظائف الأعضاء الحيوية.
في المقابل، لا يمكن إغفال الدور الحضاري والثقافي للغذاء عبر التاريخ. فقد كانت التغذية، وما تزال، جزءاً من الطب التقليدي لدى العديد من الحضارات، حيث نقرأ في كتب الطب الإسلامي واليوناني والصيني عن وصفات غذائية تستخدم للشفاء أو للوقاية من الأمراض. فمثلا في التراث العربي الإسلامي، نجد عند ابن سينا، في «القانون في الطب»، إشارات دقيقة إلى تأثير الأغذية على الأمزجة والأعضاء. كما ارتبط الغذاء في الحضارة المغربية، مثلاً، بممارسات صحية شبيهة بما يعرف اليوم بالتغذية الوقائية، من خلال استعمال الأعشاب، الزيوت، التوابل، والعسل.
وقد لعبت الثقافة الشعبية دوراً كبيراً في نقل المعرفة الغذائية الشفوية، من جيل إلى جيل، عبر الأمثال، العادات الغذائية الموسمية، ووصفات «الجدّات» التي أثبتت بعض الدراسات العلمية الحديثة فعاليتها.
إن الرؤية المتكاملة لموضوع التغذية والصحة تدعونا اليوم إلى عدم الفصل بين التراث والعلم، بل إلى اعتماد مقاربة شمولية تستفيد من التراث الغذائي التقليدي، مع توظيف المنهج العلمي الحديث في تحليل وفهم أثره على الصحة. فالمطبخ التراثي، حين يُعاد فهمه وتقييمه علمياً، يمكن أن يشكل مرجعية مهمة في تعزيز الأمن الغذائي والصحة المجتمعية، خاصة في ظل التحديات المعاصرة كالأمراض المزمنة، وفقدان التنوع الغذائي، والممارسات الصناعية المضرة.
ختاما فإن التغذية والصحة، بين العلم والتراث، ليست مجرد مفاهيم نظرية، بل هي أسلوب حياة يعكس وعي الإنسان بذاته وببيئته. وهي مجال غني للتفكير والبحث والتكامل، يجمع بين العقل العلمي والذاكرة الجماعية، من أجل بناء مستقبل صحي، متوازن ومستدام.
